 ما زلتُ أذكر تعليقاً كتبتهُ في الصحافة الإماراتية، يوم كنت أعيش وأعمل في دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، حول تصريحات مسؤول إسرائيلي استهجن فيها حملة التبرع بالدم التي يقوم فيها البحرينيون في أيام عاشوراء، لأن الفكرة انبثقت أثناء الانتفاضة الفلسطينية الثانية، فرأى فيها الإسرائيليون، وفق مصطلحاتهم الدارجة، تشجيعاً للإرهاب، لأن الدم المتبرع فيه كان سيذهب لإنقاذ أرواح أشقائنا الفلسطينيين من ضحايا الهمجية الصهيونية. في هذا الموسم تمر عشر سنوات على انطلاق الحملة التي تبناها واستمر في تنظيمها بإتقانٍ ودقة، تراكما عبر السنين، صندوق النعيم الخيري، وهي حملة لقيت الاحتضان المشكور من قبل وزارة الصحة، ويُسجل للوزراء الذين تعاقبوا على الوزارة خلال هذه السنوات العشر اهتمامهم بدعم الحملة ورعايتها، وهو تقليد طيب استنه د. فيصل الموسوي يوم كان وزيراً للصحة، وواصلته من بعده د. ندى حفاظ وزيرة الصحة السابقة، ويستمر عليه وزير الصحة الحالي د. فيصل الحمر. ولأن الفضل يعود لأهله، فان صندوق النعيم الخيري، ومجموعة الشباب النشطين من أبناء النعيم ومن خارجها ممن يقفون وراء هذه المبادرة الإنسانية يستحقون منا كل الثناء والتقدير، لأنهم ترجموا المعاني النبيلة لذكرى استشهاد الإمام الحسين بن علي عليهما السلام في مبادرة عصرية ذات مغازٍ إنسانية وحضاريةٍ واضحة. فهذه الحملة تُزود بنك الدم المركزي في البلاد سنوياً بكميات كبيرة من الدم الذي به يمكن إنقاذ أرواح الكثيرين من المصابين ومن المرضى، الذين تتوقف حياتهم، في لحظة من اللحظات، على كميةٍ من الدم تبرع بها أحدنا، دون أن يكلفه ذلك شيئاً. هذه المبادرة تُجسد أيضاً قيم التضامن والتآزر بين أفراد المجتمع، وتخلق إحساساً بالمشاركة في التغلب على الآلام الإنسانية، وما أكثرها، والناجمة عن الحوادث والإصابات البليغة والأمراض المستعصية وسواها، وما أحوج مجتمعنا لمثل هذه المبادرات، التي تسهم في خلق ثقافة المؤازرة والتكافل وقت المحن. وأعجبني ما كتبه الصحافي الشاب علي مجيد منذ أيام قليلة في »الأيام«، حين رأى في البعد الإنساني لهذه الحملة ما يتخطى الاعتبارات المذهبية، وكل ما من شأنه أن يُفرق بين الناس، فجرعة الدم التي يتبرع بها أحدنا تنقذ إنساناً آخر، من انحدار مذهبي أو طائفي أو عرقي مختلف، وحين يؤدي الإنسان واجبه في التبرع بشيء من دمه، فان ما يخطر في ذهنه هو التجلي الإنساني، الذي يتماهى مع فكرة الأُخوة بين البشر التي تترفع عن العصبيات المذهبية والطائفية التي باتت تنخر مجتمعنا، أكثر مما كانت في السابق، وتهدد وحدتنا الوطنية بأشد المخاطر، إذا ما استمر دُعاة الفتنة في النفخ في أوارها. لذا سيكون مُشرفاً ونبيلاً لو نظرنا جميعاً إلى حملة التبرع بالدم السنوية هذه بمثل هذه الروح الجامعة، وعززنا فيها هذا الطابع، الذي تحتاجه مبادراتنا، لتوكيد أن ما يوحدنا في هذا المجتمع هو على درجة من القوة والأصالة والصلابة التي رسختها قرون العيش المشترك على أرضٍ تتسع لنا جميعاً وتغتني بما نحن عليه من تنوع.
لرؤية الخبر
بصيغة PDF - الأيام |